14/01/2026
اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة بأسلوب رفيع، وبكلمة رقيقة مهذبة فريدة لا تجد لها مثيلاً ولا بديلاً في أي لغة:
«فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا...»[الأعراف: 189]
هذه الكلمة «تغشاها»؛ تغشاها رجلها.. أن يمتزج الذكر والأنثى كما يمتزج ظلان، وكما يغشى الليل النهار، وكما تذوب الألوان بعضها في بعض. هذا اللفظ العجيب الذي يعبر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروة في التعبير.
وألفاظ أخرى تقرؤها في القرآن فتترك في السمع رنينًا وأصداءً وصورًا، حينما يقسم الله بالليل والنهار فيقول:
«وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)»[التكوير]
«عَسْعَسَ».. هذه الحروف الأربعة هي الليل مُصوَّرًا بكل ما فيه. «وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ».. إن ضوء الفجر هنا مرئي ومسموع، إنك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك.
فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب، فإنك تسمع الألفاظ تتفجر، وترى المعمار القرآني كله له جَلْجَلَة. اسمع ما يقول الله عن قوم عاد:
«وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا...»[الحاقة]
إن الآيات كلها تَصِرُّ فيها الرياح، وتسمع فيها اصطفاق الخيام وأعجاز النخل الخاوي وصورة الأرض الخراب.
والصور القرآنية كلها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة والظلال المُحكَمة والألفاظ التي لها جَرْس وصوت وصورة.
ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابًا لا يُترجَم؛ إنه قرآن في لغته، أما في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا...». وفي هذا تحديد فاصل. إننا لسنا أمام معنى فقط، وإنما نحن بالدرجة الأولى أمام معمار، أمام تكوين وبناء تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات، من قلبها لا من حواشيها، من خصائص اللغة العربية وأسرارها وظلالها وخوافيها.
ولهذا انفردت الآية القرآنية بخاصية عجيبة، إنها تحدث الخشوع في النفس بمجرد أن تلامس الأذن وقبل أن يتأمل العقل معانيها، لأنها تركيب موسيقي يؤثر في الوجدان والقلب لتَوِّه، ومن قبل أن يبدأ العقل في العمل. فإذا بدأ العقل يحلل ويتأمل فإنه سوف يكتشف أشياء جديدة، وسوف يزداد خشوعاً، ولكنها مرحلة ثانية قد تحدث وقد لا تحدث، وقد تكشف لك الآية عن سرها وقد لا تكشفه، وقد تُؤتَى البصيرة التي تفسر بها معاني القرآن وقد لا تُؤتَى هذه البصيرة، ولكنك دائماً خاشع، لأن القرآن يخاطبك أولاً كمعمار فريد من الكلام .. بنيان .. (فُورم) .. طراز من الرصف يُبهر القلب.
ألقاه عليك الذي خلق اللغة ويعرف سرها، وليس أبداً محمد النبي الأمي الذي كان يرتجف كما ترتجف أنت والوحي يلقي عليه بالآية: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ».
ــ د. مصطفى محمود
كتاب / القرآن محاولة لفهم عصري